
بغداد تعيش حالة من الشلل السياسي والعملياتي.. تقرير إيطالي: السعودية تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة أمنية في غرب العراق وجنوبه لتفادي هجمات مسيّرات الفصائل
بغداد - وان نيوز
ذكر موقع «سبيشل أوراسيا» الإيطالي المتخصص في التحليلات الجيوسياسية أن العراق يواجه مرحلة بالغة الحساسية على المستويين الأمني والسياسي، بعدما تحول إلى ساحة المواجهة الرئيسية في تصعيد إقليمي متعدد الأطراف يضم الولايات المتحدة والسعودية وإيران، في ظل تزايد المخاطر التي تهدد استقرار الدولة وسيادتها.
وأوضح التقرير أن العراق يواجه تحديات متراكمة تتمثل في ضعف المنظومة الأمنية، والقيود المفروضة على سيادة الدولة، إلى جانب الاعتماد الاقتصادي البنيوي الذي يحد من قدرة بغداد على المناورة واتخاذ قرارات مستقلة في ظل التنافس الإقليمي والدولي.
وأشار التقرير إلى أن الضربات الأميركية والسعودية جاءت، بحسب روايته، رداً على هجمات بطائرات مسيّرة بعيدة المدى انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت الطاقة في شرق السعودية، إضافة إلى أكثر من ثلاثين هجوماً استهدفت القوات الأميركية في العراق والأردن، فضلاً عن استهداف مواقع تابعة لإيران في محافظة ديالى.
وفي المقابل، ذكر التقرير أن إيران واصلت تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية استهدفت منشآت أميركية ومعسكرات لمعارضين أكراد إيرانيين في إقليم كردستان، معتبراً أن طهران تنظر إلى العراق بوصفه عمقاً استراتيجياً تستخدمه لتعزيز نفوذها الإقليمي عبر الفصائل المسلحة، من دون الانخراط في حرب مباشرة بين الدول.
وأضاف التقرير أن رئيس الوزراء علي الزيدي، خلال زيارته إلى واشنطن في 14 تموز 2026 ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تعرض لضغوط أميركية للمضي في خطة حصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع استعداد الولايات المتحدة لإنهاء وجودها العسكري في العراق بحلول نهاية شهر أيلول. وبعد أسبوع واحد، أجرى الزيدي أول زيارة رسمية إلى إيران منذ توليه منصبه، حيث وقع مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عدداً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات السياسة الخارجية والاقتصاد والطاقة والمالية، إلى جانب إشادة المسؤولين العراقيين بالتعاون مع إيران في مواجهة تنظيم داعش.
ويرى التقرير أن بغداد تعيش حالة من الشلل السياسي والعملياتي، عالقة بين سياسة «الضغط الأقصى» التي تتبناها إدارة ترمب، وبين النفوذ الإيراني العميق داخل العراق، معتبراً أن رئيس الوزراء ومجلس الأمن الوطني يواجهان تراجعاً مستمراً في قدرة الدولة على فرض سيادتها، في ظل وجود تشكيلات مسلحة مستقلة تتجاهل توجيهات الحكومة، بما يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية.
واعتبر التقرير أن مطالبة إدارة ترمب بنزع سلاح الفصائل تمثل، وفق تقديره، خطأً استراتيجياً، لأن الحكومة العراقية لا تمتلك القدرة العسكرية أو النفوذ السياسي الكافي لتنفيذ هذه الخطوة من دون التسبب بانهيار شامل للدولة. وأضاف أن أي تحرك حاسم من الحكومة لإرضاء واشنطن قد يدفع إيران إلى وقف إمدادات الطاقة بصورة فورية، الأمر الذي قد يفضي إلى اضطرابات شعبية واسعة، في حين أن تجاهل المطالب الأميركية قد يقود إلى فرض عقوبات مالية أو تقييد تدفق الدولار إلى العراق.
وأضاف التقرير أن الفصائل المسلحة تمثل، بالنسبة لإيران، خط دفاع لا يمكن التخلي عنه، ولذلك ستستخدم طهران، بحسب تقديره، أقصى درجات الضغط لمنع اقتراب بغداد من المحور الأميركي – السعودي، محذراً من أن أي محاولة لنزع سلاح هذه الفصائل بالقوة قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع القوات النظامية، وانقسام المؤسسة العسكرية، وتعطيل عمل البرلمان، وانهيار حكومة علي الزيدي.
وأشار التقرير إلى أن العقيدة الاستراتيجية الإيرانية تقوم، بحسب رؤيته، على إبقاء الصراع العسكري خارج الأراضي الإيرانية، من خلال دفع الولايات المتحدة والسعودية إلى استهداف أهداف داخل العراق، بما يسمح لطهران باستيعاب الضغوط العسكرية الإقليمية باستخدام الأراضي العراقية وبنيتها التحتية، فيما يتحمل العراق كلفة الأضرار والخسائر البشرية.
كما يرى التقرير أن إيران لا تعتبر وجود حكومة عراقية قوية أولوية، بل تفضل بقاء بغداد ضعيفة أو مشلولة سياسياً على قيام حكومة تنحاز إلى واشنطن، مرجحاً أنها ستمنح الأولوية للحفاظ على شبكة الفصائل المسلحة إذا اضطرت إلى المفاضلة بينها وبين بقاء الحكومة.
وفي ما يتعلق بالسعودية، ذكر التقرير أن منشآت بقيق وخريص تمثلان الركيزة الأساسية للبنية التحتية النفطية التابعة لشركة أرامكو، معتبراً أن منظومة الدفاع الجوي السعودية، رغم الاستثمارات الأميركية الكبيرة فيها، لا تزال تواجه صعوبة في التصدي للطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة منخفضة الارتفاع، التي يمكن إطلاقها من مسافات قصيرة عبر الحدود العراقية.
وأضاف أن الهدف الرئيس للرياض من المشاركة في العمليات العسكرية لا يتمثل في إسقاط الحكومة العراقية، وإنما في دفع الولايات المتحدة إلى إنشاء منطقة عازلة أمنية في غرب العراق وجنوبه، إلى جانب حماية منشآتها النفطية، مشيراً إلى أن السعودية لا تستطيع تحمل تعطّل طويل الأمد في إنتاج النفط في ظل تنفيذ «رؤية السعودية 2030»، وهو ما يجعل مشاركتها العسكرية أكثر إلحاحاً مقارنة بالعمليات السابقة.
ويخلص التقرير إلى أن العراق لا يزال، من الناحية الهيكلية، غير قادر على الخروج من دائرة الصراع بالوكالة، بسبب اعتماده الاقتصادي المزدوج على النظام المالي الأميركي، وعلى البنية التحتية للطاقة والتجارة المرتبطة بإيران، محذراً من أن استمرار المسار الحالي من دون التوصل إلى تسوية دبلوماسية قد يقود، قبل نهاية العام، إلى انهيار سياسي، واتساع رقعة الصراع الداخلي، وعزلة اقتصادية شديدة






