
الهجمات على الحقول والشركات النفطية في البصرة نفذتها فصائل مسلحة عراقية.. «الغارديان»: العراق فشل في استثمار ثروته النفطية
بغداد - وان نيوز
كشفت صحيفة الغارديان البريطانية، في تقرير مطول، أن العراق يواجه واحداً من أخطر اختباراته الأمنية والسياسية والاقتصادية منذ عام 2003، بعدما تحوّل إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد الهجمات على المنشآت النفطية واتساع الانقسام بشأن سلاح الفصائل ونفوذها داخل مؤسسات الدولة.
وبحسب التقرير، بدأت سلسلة الهجمات عقب اندلاع الحرب الإقليمية، إذ استهدفت طائرات مسيّرة حقولاً نفطية ومنشآت خدمية ومقار شركات أجنبية في البصرة، بينها مواقع مرتبطة بشركات أميركية ودولية تعمل في قطاع الطاقة. وتسببت الضربات بحرائق واسعة، وأجبرت مئات العاملين الأجانب على مغادرة البلاد، فيما توقفت أعمال آلاف العمال العراقيين وتراجع الإنتاج النفطي بشكل كبير.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين عراقيين قولهم إن معظم الهجمات لم تُنفذ من خارج الحدود، بل انطلقت من داخل العراق ونفذتها فصائل عراقية مسلحة مرتبطة بإيران، في محاولة لتعطيل قطاع النفط ورفع الأسعار العالمية وزيادة الضغط على الإدارة الأميركية لوقف عملياتها العسكرية ضد طهران.
وأشار التقرير إلى أن منفذي الهجمات امتلكوا معلومات دقيقة عن مواقع المستودعات والمعدات والمنشآت المستهدفة، ما أثار شكوكاً بوجود تسريبات من داخل مؤسسات الدولة أو الشركات العاملة في القطاع النفطي.
ويرى مسؤولون تحدثوا للصحيفة أن الشركات الأجنبية لن تتحمل الخسائر وحدها، إذ ستُحمّل تكاليف المعدات المدمرة إلى الحكومة العراقية، ما يجعل الاقتصاد الوطني وسمعة العراق الاستثمارية وقدرته على جذب الشركات الدولية المتضرر الأكبر.
وأكدت الغارديان أن الحرب أظهرت هشاشة الدولة العراقية وعجزها عن حماية أجوائها ومنشآتها الحيوية، رغم معرفة القيادات الأمنية بالجهات التي تقف خلف عمليات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وسلسلة الأوامر والمناطق التي تنطلق منها الهجمات.
كما ربط التقرير ضعف الاستجابة الأمنية بانتشار الفساد داخل المؤسسات العسكرية، موضحاً أن بعض المناصب القيادية تُشترى بملايين الدولارات، ما يدفع القادة إلى حماية مصالحهم المالية وتجنب المواجهة بدلاً من فرض القانون وحماية مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن رئيس الوزراء علي الزيدي صعّد موقفه من الفصائل المسلحة، ومنحها مهلة حتى 30 أيلول لتسليم أسلحتها ودمج تشكيلاتها القتالية في الأجهزة الرسمية، ضمن مشروع لحصر السلاح بيد الدولة وتقليص النفوذ الإيراني.
وبينما قبلت بعض الفصائل القديمة بفكرة الاندماج في الدولة، رفضت الفصائل العقائدية المنضوية تحت مظلة «المقاومة الإسلامية في العراق» تسليم أسلحتها، معتبرة أن المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل تمثل معركة وجود وواجباً دينياً، وأن سلاحها لن يُسلّم ما دام الوجود الأميركي قائماً.
وأشار التقرير إلى أن الضغط الأميركي لم يقتصر على الجانب السياسي والأمني، بل شمل أدوات اقتصادية مؤثرة، إذ أوقفت واشنطن شحنات الدولار النقدية المرسلة إلى بغداد في نيسان، قبل استئنافها في تموز بعد إعلان الحكومة خطوات عملية باتجاه نزع سلاح الفصائل.
وبحسب التقرير، تزامنت هذه الضغوط مع أزمة نفطية حادة، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز والهجمات على منشآت البصرة إلى تراجع الإنتاج والصادرات وظهور طوابير طويلة أمام محطات الوقود، في مشاهد أعادت إلى الأذهان الفوضى التي شهدها العراق بعد عام 2003.
ولفتت الصحيفة إلى أن اعتماد العراق على عائدات النفط لتمويل رواتب نحو أربعة ملايين موظف حكومي جعله شديد التأثر بأي توقف في الإنتاج أو التصدير، ودفعه إلى البحث عن مسارات بديلة، بينها إعادة تشغيل خط الأنابيب العراقي–السعودي لتجاوز مضيق هرمز.
كما تناول التقرير أسباب فشل العراق في استثمار ثروته النفطية منذ عام 2003، رغم دخول شركات كبرى مثل BP وإكسون موبيل وشل، موضحاً أن الفساد والبيروقراطية والخلافات التعاقدية وتأخر المستحقات المالية دفعت شركات دولية إلى تقليص أعمالها أو الانسحاب من مشاريعها.
وأضافت الغارديان أن نظام العقود النفطية في البصرة يخضع لنفوذ الأحزاب والعشائر، وأحياناً الفصائل المسلحة، التي تحقق أرباحاً عبر العقود الحكومية، ما جعل قطاع النفط بالنسبة إلى كثير من العراقيين رمزاً للفساد وسوء الإدارة بدلاً من كونه مصدر فخر وطني.
وفي موازاة أزمة السلاح، وسعت الحكومة حملة مكافحة الفساد، التي شملت مسؤولين كباراً في وزارة النفط، بينهم نائب وزير النفط عدنان الجميلي، بعد ضبط ملايين الدولارات ومليارات الدنانير وكميات من الذهب والأسلحة، قبل أن تتوسع التحقيقات لتشمل عشرات النواب والمسؤولين.
واعتبر التقرير أن المشهد السياسي العراقي يتجسد في صورتين متناقضتين؛ الأولى مشاركة رئيس الوزراء علي الزيدي في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي في النجف، والثانية جلوسه بعد أيام إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، مجدداً تعهده بحصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد وجذب الاستثمارات الأميركية.
وخلصت صحيفة الغارديان إلى أن العراق يقف أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ يعتمد مالياً واقتصادياً على الولايات المتحدة، فيما يواجه نفوذاً إيرانياً متجذراً داخل مؤسساته السياسية والأمنية، ما يجعله عالقاً بين قوتين متصارعتين في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه الحديث






