لا فساد، ولا سلاح خارج الدولة، ولا اقتصاد رهينة للريع النفطي.. الزيدي يعتمد لاءاته الثلاث خارطة طريق لحكومته
بغداد - وان نيوز

في ثاني مقابلة صحفية له منذ تسلّمه رئاسة مجلس الوزراء، اختار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي صحيفة الشرق الأوسط ليعرض، بصورة أكثر وضوحاً وتفصيلاً، ملامح مشروعه لإعادة بناء الدولة العراقية، في مقابلة حملت رسائل سياسية وأمنية واقتصادية غير مسبوقة، وقدّمت تصوراً متكاملاً للمرحلة التي تعتزم حكومته تنفيذها خلال الأشهر المقبلة.
ولا تبدو هذه المقابلة مجرد عرض لبرنامج حكومي أو استعراض لمواقف سياسية، بل تمثل إعلاناً واضحاً عن فلسفة الحكم التي يسعى الزيدي إلى ترسيخها، والقائمة على ثلاث ركائز متوازية: إنهاء منظومة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، والانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد السوق.
في ملف الفساد، يذهب الزيدي إلى أبعد من توصيفه بوصفه خللاً إدارياً أو مالياً، إذ يعتبره تهديداً وجودياً للدولة العراقية، معلناً أن قرار مكافحته أصبح نهائياً ولا رجعة فيه. ويقدّم رؤية تقوم على إنهاء ما وصفه بـ”المنظومة الفكرية” التي تشكلت بعد عام 2003، والتي كان جوهرها السيطرة على مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات للنهب، مؤكداً أن حكومته بدأت طيّ تلك الحقبة وفتح صفحة جديدة في تاريخ العراق.
وللمرة الأولى، يكشف الزيدي عن توجه حكومي لفتح حساب خاص لاسترداد الأموال المنهوبة، مع منح المتورطين فرصة لإعادتها عبر تسويات قانونية تحفظ حقوق الدولة، بالتوازي مع التلويح بإجراءات أكثر حزماً بحق الممتنعين، في خطوة تعكس انتقال الحكومة من مرحلة ملاحقة الفساد إلى مرحلة استعادة الأموال العامة.
أما في الملف الأمني، فيربط الزيدي بين مفهوم السيادة واحتكار الدولة للقوة، ويعلن عزمه عقد “مؤتمر السيادة الوطنية” قبل نهاية العام، ليكون محطة لإعلان اكتمال مشروع حصر السلاح بيد الدولة. كما يؤكد أن الدولة تسلّمت بالفعل معظم أسلحة عدد من الفصائل، وأن المرحلة المقبلة ستركز على إنهاء الارتباط التنظيمي بين الفصائل ومقاتليها، وصولاً إلى إنهاء أي وجود مسلح خارج المؤسسة العسكرية، مؤكداً أن “لا شيء أقوى من الدولة”، وأن زمن “الدولة داخل الدولة” يجب أن ينتهي.
وفي الجانب الاقتصادي، يقدّم الزيدي رؤية مختلفة لمسار الإصلاح، معتبراً أن العراق يعيش صراعاً بين اقتصاد قديم يرفض المغادرة، واقتصاد حديث لم تكتمل ولادته بعد. ومن هذا المنطلق، يعلن عن مراجعة شاملة للقوانين الاقتصادية الموروثة، تمهيداً للتحول نحو اقتصاد السوق، بالتوازي مع تأسيس “صندوق الطاقة والتنمية”، الذي يهدف إلى جذب استثمارات عراقية وخليجية ودولية لتمويل مشاريع التنمية وتقليل الاعتماد على النفط.
كما حرص رئيس الوزراء على نفي وجود أزمة مالية تهدد رواتب الموظفين، مؤكداً انتظام صرفها، ومشيراً إلى أن حكومته تسعى إلى رفع الإيرادات غير النفطية وإعادة هيكلة الاقتصاد بما يضمن استدامة المالية العامة.
وفي سياق السياسة الخارجية، رسم الزيدي أولويات تحركاته الدبلوماسية المقبلة، موضحاً أن زيارة واشنطن ستكون المحطة الأساسية، تعقبها زيارات إلى تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية، في إطار رؤية تقوم على بناء شراكات إقليمية ودولية تدعم مشروع الدولة العراقية.
وبمجملها، تكشف المقابلة الثانية لعلي الزيدي مع صحيفة الشرق الأوسط عن محاولة لتثبيت معالم مرحلة سياسية جديدة، لا تقتصر على إدارة الملفات اليومية، بل تستهدف إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومؤسساتها واقتصادها وسلاحها، عبر مشروع يختصره رئيس الوزراء بثلاثة عناوين كبرى: لا فساد، ولا سلاح خارج الدولة، ولا اقتصاد رهينة للريع النفطي




