أخبار محليةأخر الاخبار

«العبرة بما تسلمه من بعدك».. حمزة الصدر: الكاظمي الأكثر نجاحاً بين حكومات ما بعد 2003

بغداد - وان نيوز

طرح الكاتب والدبلوماسي حمزة الصدر تقييماً لأداء الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003، معتبراً أن الحكم على نجاح أي حكومة لا ينبغي أن يستند إلى عدد المشاريع أو الخطابات أو الإنجازات الجزئية، وإنما إلى حالة الدولة التي تسلمتها والواقع الذي تركته للحكومة التي أعقبتها.

وقال الصدر، في مقال حمل عنوان «الحكومات العراقية المتعاقبة ومعيار التقييم العادل»، إن الجدل بشأن أفضل الحكومات العراقية غالباً ما يخضع للانتماءات السياسية والانطباعات الشخصية، ما يجعل الوصول إلى تقييم موضوعي أمراً صعباً، داعياً إلى اعتماد معيار موحد يطبق على جميع الحكومات بعيداً عن الأسماء والاصطفافات.

وأوضح أن معيار التقييم الذي يقترحه يقوم على سؤالين أساسيين: «بأي واقع تسلمت الحكومة الدولة؟ وبأي واقع سلمتها إلى الحكومة التي تلتها؟»، معتبراً أن نجاح الحكومة يقاس بقدرتها على تسليم دولة أكثر أمناً واستقراراً وقوة مالية ومؤسساتية مما كانت عليه عند توليها المسؤولية.

واستعرض الصدر حكومات ما بعد عام 2003، مشيراً إلى أن حكومة إياد علاوي تسلمت العراق عقب انهيار مؤسسات الدولة وفي ظل انفلات أمني واسع، وتمكنت خلال فترة قصيرة من إعادة تشكيل مؤسسات أساسية، بينها الجيش والشرطة، وتهيئة البلاد لأول انتخابات عامة والانتقال الدستوري للسلطة، واصفاً ذلك بأنه إنجاز تحقق في ظروف استثنائية.

وفي تقييمه لحكومة إبراهيم الجعفري، رأى الصدر أنها انتهت وسط تصاعد خطير في الاحتقان الطائفي والانقسام السياسي والتدهور الأمني الذي سبق أحداث عامي 2006 و2007، معتبراً أن الدولة التي سلمتها إلى الحكومة اللاحقة كانت في واقع أكثر تعقيداً من المرحلة التي بدأت بها.

أما حكومة نوري المالكي في ولايتها الأولى، فاعتبر أنها تسلمت واقعاً أمنياً وسياسياً صعباً، وتمكنت من تحقيق تحسن في الأمن والسياسة الخارجية والاقتصاد. وفي المقابل، رأى أن ولايته الثانية انتهت في ظروف مختلفة، تزامنت مع انسحاب قوات التحالف وانخفاض أسعار النفط وتراجع الإيرادات، وصولاً إلى سقوط مدن عراقية بيد تنظيم داعش عام 2014 ونزوح أكثر من ثلاثة ملايين شخص من مناطقهم، إلى جانب استمرار أزمات الخدمات والفساد.

وقال الصدر إن حكومة حيدر العبادي تسلمت العراق عام 2014 في واحدة من أصعب مراحله، مع سيطرة داعش على نحو ثلث مساحة البلاد وانخفاض أسعار النفط ووجود عجز مالي، لكنها تمكنت، بحسب تقييمه، من تحرير المدن التي سيطر عليها التنظيم وإعلان النصر عليه، فضلاً عن التعامل مع أزمة إقليم كردستان واستعادة قدر من التوازن الاقتصادي وتحقيق تقدم في العلاقات الدولية.

وعن حكومة عادل عبد المهدي، رأى الصدر أنها تسلمت دولة خرجت من الحرب على داعش في ظل أسعار نفط مرتفعة نسبياً وخزينة عامرة واستقرار أمني، لكنها شهدت خلال فترة حكمها ارتفاعاً كبيراً في الإنفاق وغياب خطة اقتصادية واضحة، إلى جانب احتجاجات تشرين 2019 وما رافقها من أزمة سياسية انتهت باستقالة الحكومة.

وفي تقييمه لحكومة مصطفى الكاظمي، قال الصدر إنها تسلمت السلطة في أيار 2020 وسط تداخل أزمات الاحتجاجات وجائحة كورونا وانهيار أسعار النفط إلى مستويات قاربت 20 دولاراً للبرميل، ما وضع البلاد أمام أزمة مالية حادة.

وأشار إلى أن حكومة الكاظمي سلمت الدولة في أواخر عام 2022 وهي تمتلك احتياطيات أجنبية قاربت 97 مليار دولار، مع تحقيق فائض مالي وتحسن في الحساب الجاري وارتفاع الصادرات النفطية، فضلاً عن استعادة قدر من التوازن في علاقات العراق الإقليمية والدولية.

وأضاف أن بغداد استعادت خلال تلك المرحلة، بحسب تقييمه، جزءاً من دورها الدبلوماسي، مستشهداً باستضافة العراق مؤتمرات ولقاءات إقليمية ودولية، إلى جانب زيارات أجراها عدد من قادة المنطقة والعالم إلى بغداد.

وفي الملف الأمني، اعتبر الصدر أن العراق شهد خلال حكومة الكاظمي استقراراً ملحوظاً رغم الضغوط التي مارستها الفصائل المسلحة، مشيراً إلى تعرض البعثات الدبلوماسية للقصف ومحاولات الضغط على الحكومة، إلا أن البلاد لم تنزلق، وفق تقييمه، إلى حرب داخلية.

كما أشار إلى قرار حكومة الكاظمي إجراء انتخابات مبكرة استجابة لمطالب احتجاجات تشرين، معتبراً أن الخطوة لبت أحد أبرز المطالب السياسية في تلك المرحلة وأسهمت في تعزيز المقبولية الدولية للحكومة.

أما حكومة محمد شياع السوداني، فاعتبر الصدر أنها تسلمت واحدة من أفضل الأوضاع المالية في تاريخ العراق الحديث، مع فوائض مالية كبيرة واستقرار أمني وعلاقات دولية جيدة، لكنها اتجهت، بحسب تقييمه، إلى سياسة مالية توسعية غير مسبوقة، عبر إقرار موازنة ثلاثية بلغت قيمتها نحو 198.9 تريليون دينار، مع إنفاق تشغيلي تجاوز 150 تريليون دينار وارتفاع كبير في التعيينات الحكومية والالتزامات الدائمة.

وقال إن هذا المسار دفع صندوق النقد الدولي إلى التحذير من مخاطر على الاستدامة المالية في حال تراجع أسعار النفط، في ظل استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.

ورأى الصدر أن السياسة الخارجية شهدت بدورها تراجعاً خلال تلك المرحلة، مستشهداً بمستوى الحضور في القمة العربية التي استضافتها بغداد، فضلاً عن استمرار الانقسام السياسي والتدخلات الخارجية وأزمات الإنفاق والفساد.

وبناء على معياره القائم على مقارنة وضع الدولة عند تسلم السلطة بوضعها عند تسليمها، وضع الصدر حكومات إياد علاوي، ونوري المالكي في ولايته الأولى، وحيدر العبادي، ومصطفى الكاظمي ضمن الحكومات التي حققت انتقالاً أفضل للدولة قياساً بالظروف التي تسلمتها فيها.

وفي المقابل، صنف حكومات إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي في ولايته الثانية، وعادل عبد المهدي، ومحمد شياع السوداني ضمن الحكومات الأقل نجاحاً وفق المعيار ذاته، باعتبار أنها سلمت، بحسب تقييمه، واقعاً أسوأ من الذي تسلمته.

وخلص الصدر إلى اعتبار حكومة مصطفى الكاظمي الأكثر نجاحاً في إدارة الدولة بين الحكومات التي تعاقبت على العراق بعد عام 2003، مؤكداً أن هذا التقييم لا يعني اعتبارها حكومة كاملة أو خالية من الأخطاء، وإنما يستند إلى حجم التحول الذي تحقق بين الظروف التي تسلمت فيها السلطة والواقع الذي تركته عند انتهائها.

وشدد على أن معيار نجاح الحكومات يجب ألا يرتبط بالأشخاص أو الشعارات، وإنما بما تتركه من رصيد سياسي وأمني واقتصادي للدولة، معتبراً أن «التاريخ هو الحكم الحقيقي، لأنه لا يحاكم النوايا بل يحاكم النتائج»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى