«السُنّة أمام إعادة تعريف علاقتهم بالدولة».. أثيل النجيفي: فشل النظام لا يعني موت المشروع الوطني والإقليم الطائفي قد يعيد إنتاج الأزمة بصورة أخرى
بغداد - وان نيوز

رأى محافظ نينوى الأسبق والسياسي السني البارز أثيل النجيفي أن المجتمع السني في العراق يقف أمام مرحلة لإعادة تعريف علاقته بالدولة، في ظل أزمة بنيوية أصابت النظام السياسي وأضعفت الثقة بالمشروع الوطني، معتبراً أن فشل النظام بصيغته الحالية لا يعني بالضرورة موت فكرة الدولة الوطنية، كما أن الانتقال إلى إقليم يقوم على أساس طائفي قد يعيد إنتاج الأزمة بصورة أخرى.
وقال النجيفي، في مقال نشره مركز ديناميكيات العراق (Iraq Dynamics Center) بعنوان «السنة والعراق: وطن يُبنى من الأسفل»، إن المجتمع السني يعيش مفارقة بين فكرة الدولة القائمة على سيادة القانون والمواطنة المتساوية وبين واقع سياسي كرّس، خلال العقدين الماضيين، تقاسم الدولة بين المكونات بدلاً من بناء مؤسسات تتجاوز الانتماءات الطائفية.
وأوضح أن هذه الأزمة أفرزت اتجاهاً داخل المجتمع السني يرى أن المشروع الوطني انتهى، وأن التمسك به لم يعد سوى حنين إلى دولة لم تعد موجودة، في ظل هيمنة الأحزاب الطائفية على مؤسساتها وفشلها في توفير الخدمات وفرص العمل.
إلا أن النجيفي اعتبر أن هذه القراءة ترى نصف الصورة فقط، لأن فشل الدولة لم يصب السُنّة وحدهم، وإنما انعكس أيضاً على ثقة المجتمع الشيعي بقواه السياسية، مشيراً إلى أن التساؤل عن مصير ثروات البلاد بات مطروحاً في الجنوب كما هو مطروح في الموصل والأنبار.
ورأى أن الفساد لم يعد مجرد اتهام توجهه القوى المعارضة إلى السلطة، وإنما تحول إلى أزمة داخل بنية النظام نفسه، معتبراً أن الاعترافات المتزايدة بصعوبة محاربته تكشف عن نظام بات عاجزاً عن إصلاح نفسه، لأن الإصلاح الجذري قد يصطدم بالبنية التي يقوم عليها.
وفي ملف الفصائل المسلحة، قال النجيفي إن البيئة الإقليمية التي استندت إليها هذه الجماعات شهدت تحولات كبيرة، مع انحسار النفوذ الإيراني في المنطقة وتصاعد الضغوط الدولية على الدولة العراقية لتحجيم الفصائل وتعزيز سلطتها على السلاح.
واعتبر أن حضور الفصائل داخل المحافظات السنية لم يكن نابعاً من قواعد اجتماعية محلية، وإنما استند إلى غطاء الدولة والنفوذ الأمني والاقتصادي والسيطرة على المعابر والعقود والأسواق، مرجحاً أن يؤدي تراجع هذا الغطاء إلى دفع تلك القوى نحو البحث عن التعايش والتسويات السياسية مع محيطها المحلي.
وعن مشروع الإقليم السني، أكد النجيفي أن الفكرة لم تتحول حتى الآن إلى مشروع سياسي متكامل، في ظل غياب حوار جدي بين المحافظات المعنية بشأن شكله وصلاحياته ومضمونه، فضلاً عن استخدامها في مراحل مختلفة كورقة تفاوض قبل تراجعها بعد انتهاء المساومات السياسية.
وأشار إلى أن التمسك بفكرة الإقليم يمكن فهمه في سياق البحث عن مخرج من الضغوط السياسية والأمنية، لكنه حذر من أن المخرج غير الواضح قد يتحول إلى مأزق أكبر، خصوصاً إذا قام المشروع على أساس طائفي لا يراعي التركيبة المعقدة للمحافظات المعنية.
وأوضح أن هذه المحافظات تضم مكونات قومية ودينية ومذهبية متعددة لا ترى جميعها نفسها في مشروع يقوم على هوية واحدة، فضلاً عن امتلاك كل محافظة مصالح اقتصادية وارتباطات مختلفة مع بقية مناطق العراق، ما يجعل اختزالها في إطار طائفي غير قادر على معالجة تعقيداتها الداخلية.
ورأى النجيفي أن الاتجاه العام في العراق يقود نحو مركز اتحادي أضعف في إدارة التفاصيل ومحافظات أكثر تأثيراً في إدارة شؤونها، مؤكداً أن هذا المسار لا يقتصر على المناطق السنية، وإنما سيمتد إلى المناطق الشيعية أيضاً في ظل التحولات التي تشهدها علاقة القوى المحلية بالحكومة الاتحادية.
وفرّق بين لامركزية تفرضها الفوضى وتترك كل منطقة للقوة الأكثر نفوذاً فيها، وبين لامركزية منظمة تمنح المحافظات أدوات إدارة شؤونها من دون عزلها عن بغداد أو عن بقية البلاد، معتبراً أن الفارق بين النموذجين يتمثل في قدرة المجتمعات المحلية على صياغة مستقبلها بدلاً من ترك الآخرين يصوغونه عنها.
ودعا إلى بناء ما وصفه بـ«الوطنية من الأسفل»، من خلال ترتيب البيت الداخلي للمحافظات بمشاركة جميع مكوناتها، وتشكيل مجالس محلية تمثل الجميع، وتقديم الخدمات من دون تمييز، والتوصل إلى تفاهمات بشأن الأمن والأراضي والموارد.
وأكد النجيفي أن «الوطنية التي لا تبدأ بالمحافظة لن تصل إلى بغداد»، معتبراً أن تقوية المحافظات وتنظيم مصالحها لا يمثل بديلاً عن الدولة، وإنما يمكن أن يكون نقطة الانطلاق لإعادة بنائها على أسس مختلفة.
وأشار إلى إمكانية بناء شراكة تتجاوز الانقسامات الطائفية بين قوى سنية وشيعية وكردية تلتقي مصالحها حول شكل الدولة، لافتاً إلى وجود قوى داخل البيئة الشيعية ترفض المحاصصة واستخدام الدولة غطاءً للفصائل المسلحة، فيما ترتبط مصلحة إقليم كوردستان باستقرار الدولة العراقية ومحيطها.
ووضع النجيفي ثلاثة معايير للشراكة في المشروع الوطني، تتمثل في احتكار الدولة للسلاح، ورفض تقسيم مؤسساتها بوصفها غنائم بين الطوائف، وضمان حق كل منطقة في إدارة شؤونها، مؤكداً أن الشراكة ينبغي أن تقوم على هذه المبادئ لا على الأشخاص أو التحالفات المتغيرة.
وخلص النجيفي إلى أن المعركة الحقيقية ليست بين «وطن ميت وإقليم موعود»، وإنما على شكل العراق الذي يتشكل في المرحلة المقبلة؛ بين مصالح مشتركة تبدأ من المحافظات وتلتقي في بغداد، وخطوط طائفية قد تعيد إنتاج الأزمات والانقسامات.
واعتبر أن من ينجح في ترتيب بيته الداخلي أولاً سيكون أكثر تأثيراً عندما يعاد رسم المشهد السياسي العراقي، مشدداً على أن المحافظات المختلطة لا يمكن أن تدير نفسها من دون مشاركة جميع مكوناتها، وأن أي مشروع لا يتسع لهذه المكونات لن يكون قادراً على معالجة مشكلاتها






