أخبار محليةأخر الاخبار

لماذا يبدو العراق أكثر عرضة للاستهداف والضغط الأميركي من دول أخرى تتعامل مع إيران؟

بغداد - وان نيوز

يبدو العراق، رغم أنه ليس أكبر شريك اقتصادي لإيران، من أكثر الدول انكشافاً أمام أدوات الضغط الأميركية في الحملة الاقتصادية الجديدة على طهران، ليس بسبب حجم التجارة بين البلدين وحده، بل نتيجة معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين حاجة إيران إلى السوق العراقية، وارتباط الاقتصاد العراقي بالدولار والنظام المالي الأميركي، واستمرار التشابك بين بغداد وطهران في التجارة والطاقة والتحويلات المالية.
 
وأطلقت وزارة الخزانة الأميركية، في 24 آب، عملية «المنبوذ الاقتصادي»، معلنة حملة تستهدف الشبكات والميسرين والقنوات المالية التي تستخدمها إيران لتهريب النفط وتجاوز العقوبات والحصول على الإيرادات، مع توسيع مخاطر العقوبات الثانوية على الجهات الأجنبية التي تواصل أنشطة مرتبطة بطهران.
 
ورغم أن واشنطن لم تسمِّ العراق باعتباره الهدف الأول للحملة، فإن تحليلاً لوكالة «رويترز» رأى أن العراق قد يقدم نموذجاً لكيفية استخدام الولايات المتحدة نفوذها للضغط على شركاء إيران التجاريين، ولا سيما عبر ورقة الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار.
 
وتكمن خصوصية العراق في أن واشنطن تمتلك حياله أداة ضغط لا تتوافر بالقوة نفسها مع عدد من كبار شركاء إيران. فبحسب «رويترز»، يحتفظ العراق بأكثر من 100 مليار دولار من احتياطياته في الولايات المتحدة، فيما ترتبط تدفقات عائداته النفطية الدولارية بصورة أساسية ببنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ما يمنح واشنطن نفوذاً مالياً واسعاً على بغداد.
 
وهنا تختلف الحالة العراقية عن الصين، رغم أن بكين أكبر بكثير في تعاملاتها النفطية مع طهران. فالصين تمتلك اقتصاداً ضخماً وأدوات مالية وتجارية أوسع وقدرة أكبر على امتصاص الضغوط، بينما يعتمد العراق بدرجة أكبر على انسيابية الدولار وعائداته النفطية والوصول إلى النظام المالي الدولي.
 
وبذلك، لا يصبح السؤال الأساسي: من يتعامل مع إيران أكثر؟ بل: أين تستطيع أدوات الضغط الأميركية إحداث التأثير الأكبر؟
 
وفي المقابل، يصعب على العراق فك ارتباطه الاقتصادي بإيران سريعاً ومن دون كلفة داخلية، إذ تتجاوز العلاقة التجارة التقليدية إلى الغاز والطاقة والسلع والأسواق وحركة الأموال، ما يجعل أي تشديد على التعاملات مع طهران قابلاً للانعكاس على الاقتصاد والخدمات داخل العراق.
 
ومن هنا تنشأ المعضلة العراقية: بغداد تحتاج إلى المحافظة على جزء مهم من علاقاتها الاقتصادية مع إيران، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إبقاء قنواتها مفتوحة مع النظام المالي العالمي الذي يشكل الدولار محوره الأساسي.
 
ولا يبدأ الضغط الأميركي من الصفر، فقد استخدمت واشنطن خلال السنوات الماضية أدواتها المالية ضد مصارف عراقية اتهمتها بإجراء تعاملات مرتبطة بإيران، بالتزامن مع تشديد إجراءات التحويلات الخارجية والامتثال المالي ومكافحة غسل الأموال وتهريب الدولار.
 
وتعني هذه السابقة أن الولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى فرض عقوبات على الاقتصاد العراقي بأكمله كي تمارس ضغطاً مؤثراً؛ إذ يمكنها استهداف مصارف أو شركات ووسطاء وقنوات تحويل محددة، أو تشديد متطلبات الامتثال بما يجعل التعامل المالي مع إيران أكثر صعوبة وكلفة.
 
وفي الاتجاه المقابل، تزداد أهمية العراق بالنسبة إلى إيران كلما ضاقت أمامها المنافذ الاقتصادية والمالية الأخرى، بحكم الحدود الطويلة والسوق الواسعة وحجم التبادل التجاري بين البلدين.
 
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كلما ضيقت واشنطن المنافذ أمام إيران، ازدادت حاجة طهران إلى العراق، وكلما ازدادت أهمية العراق لإيران، ارتفعت حساسية واشنطن تجاه حركة الأموال والمصارف والتجارة بين البلدين.
 
ولهذا قد يصبح العراق إحدى ساحات الاختبار الرئيسية للحملة الاقتصادية الجديدة، ليس بالضرورة عبر استهداف الدولة العراقية، بل من خلال تشديد الرقابة على المصارف والتحويلات والشركات والوسطاء الذين تعتقد واشنطن أنهم يوفرون متنفساً للاقتصاد الإيراني.
 
لكن الولايات المتحدة تواجه بدورها معادلة دقيقة، فالعراق ليس خصماً لها، بل شريك استراتيجي لا ترغب في دفع اقتصاده نحو أزمة واسعة. وتشير «رويترز» إلى أن واشنطن، رغم إجراءاتها السابقة ضد مصارف عراقية، تجنبت خطوات يمكن أن تلحق أضراراً واسعة بالاقتصاد العراقي.
 
ولذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً، في حال تصاعد الضغط، هو استهداف نقاط الاتصال بين الاقتصادين العراقي والإيراني بدلاً من استهداف الاقتصاد العراقي ككل.
 
وفي المحصلة، لا يبدو العراق أكثر عرضة للضغط لأنه الأكثر تعاملاً مع إيران، بل لأنه يقع عند نقطة التقاء حساسة بين اقتصادين: إيران تحتاج إليه أكثر كلما اشتدت عزلتها، والعراق يحتاج إلى النظام المالي الأميركي مهما اتسعت علاقاته مع طهران.
 
ولهذا فإن الخطر الأكبر على بغداد قد لا يكون في عقوبات أميركية شاملة، وإنما في انتقال الحرب الاقتصادية على إيران تدريجياً إلى المصارف العراقية والدولار والتحويلات والطاقة والتجارة، بما يجعل العراق أحد أكثر شركاء طهران انكشافاً أمام أدوات الضغط الأميركية
 
#وان_نيوز
#المنصة_الإخبارية_الأولى_في_العراق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى