من يحمي منظومة النفوذ؟… سؤال يتجاوز أسماء المعتقلين، ويضع حملة الزيدي أمام أصعب اختبار سياسي وقضائي منذ سنوات، في معركة لا تدور حول أفراد، بل حول شبكة مصالح تشكلت عبر المال والسلطة والنفوذ.
بغداد - وان نيوز

منذ انطلاق حملة رئيس الوزراء علي الزيدي لمكافحة الفساد، بدا واضحاً أن العراق دخل مرحلة تختلف عن كثير من المحاولات السابقة، التي انتهت غالباً عند حدود التصريحات أو الإجراءات المحدودة. وخلال أيام قليلة، شهدت البلاد تنفيذ أوامر قبض بحق مسؤولين ونواب وشخصيات سياسية، استناداً إلى اعترافات وتحقيقات قضائية متشعبة، في تطور أعاد ملف الفساد إلى صدارة المشهد السياسي بعد سنوات من الجمود.
لكن القراءة الأعمق للحملة لا تبدأ من عدد المعتقلين، بل من طبيعة الأهداف التي وصلت إليها حتى الآن، ومن ردود فعل القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع عدد من القوى السياسية العراقية.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن طهران قررت الدخول في مواجهة سياسية أو إعلامية مباشرة لعرقلة حملة الزيدي، وهو موقف ينسجم مع طبيعة السياسة الإيرانية، التي طالما اتسمت بالبراغماتية أكثر من ارتباطها بالأشخاص. ففي الحسابات الاستراتيجية، لا تمثل الشخصيات الفردية قيمة بحد ذاتها، بقدر ما تمثلها قدرة الحلفاء على الاحتفاظ بمواقعهم داخل مؤسسات الدولة، وضمان استمرار النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي.
وانطلاقاً من ذلك، قد تنظر طهران إلى اعتقال بعض النواب أو المسؤولين، حتى لو كانوا محسوبين على قوى قريبة منها، باعتباره خسارة يمكن استيعابها، إذا كان ذلك يساهم في الحفاظ على البنية الأساسية لنفوذ حلفائها داخل النظام السياسي. فاستبدال الأشخاص، في هذا المنطق، أقل كلفة من خسارة مراكز القرار.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما ذهبت إليه تقارير ودراسات غربية، التي ترى أن نجاح أي حملة حقيقية لمكافحة الفساد في العراق لا يُقاس بعدد أوامر القبض، وإنما بقدرتها على الوصول إلى شبكات النفوذ التي توفر الغطاء السياسي والمالي لتلك المنظومات. فالفاسد، وفق هذا التصور، ليس فرداً يعمل بمعزل عن الآخرين، بل جزء من شبكة متداخلة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، يصعب تفكيكها من خلال استهداف حلقاتها الأضعف فقط.
ولهذا، قد تمثل المرحلة الحالية بالنسبة إلى طهران مرحلة مراقبة أكثر منها مرحلة مواجهة. فإذا بقيت الحملة محصورة في شخصيات يمكن تعويضها سياسياً، فمن المرجح أن تتعامل معها باعتبارها ثمناً سياسياً مقبولاً، وربما فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وإبعاد بعض الأسماء التي أصبحت تمثل عبئاً على حلفائها.
أما إذا توسعت التحقيقات لتصل إلى شخصيات تمتلك ثقلاً سياسياً أو مالياً أو تنظيمياً، وتشكل جزءاً من مراكز صناعة القرار أو إدارة شبكات النفوذ، فإن المشهد قد يدخل مرحلة مختلفة، لأن الأمر لن يتعلق عندها بخسارة أفراد، بل بإعادة رسم توازنات القوة داخل الدولة العراقية.
وفي هذا السياق، تبدو حملة الزيدي أمام اختبار يتجاوز البعد القضائي. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار مذكرات القبض فحسب، بل في القدرة على تنفيذها، وتوسيع نطاقها وفق معايير قانونية موحدة، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية، بما يعزز الثقة بأن الدولة تستعيد احتكارها لسلطة القانون.
كما أن نجاح الحملة سيُقاس بقدرتها على الانتقال من ملاحقة الأفراد إلى تفكيك المنظومات التي أنتجت الفساد وحمته لعقود، سواء كانت شبكات مالية، أو مصالح اقتصادية، أو مظلات سياسية وفرت له الحماية والنفوذ.
وعليه، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت حملة مكافحة الفساد قد بدأت، بل ما إذا كانت ستواصل طريقها نحو مراكز النفوذ الحقيقية. فالوصول إلى الصفوف الخلفية يمثل بداية مهمة، لكنه لا يحسم المعركة. أما الاقتراب من الصفوف الأولى، حيث تتداخل السلطة بالمال والنفوذ، فهو الاختبار الذي سيحدد ما إذا كانت هذه الحملة ستشكل تحولاً في مسار الدولة العراقية، أم أنها ستبقى ضمن حدود إعادة ترتيب المشهد السياسي من دون تغيير قواعده الأساسية






