دبابات الفجر تعود إلى ذاكرة العراقيين.. لا انقلاب ولا حرب، بل اقتحام لأوكار الفاسدين
بغداد - وان نيوز

في قراءة تحليلية للدكتور إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي، في مقال نشرته صحيفة النهار العربي اللبنانية، تبدو دبابات فجر الثامن والعشرين من حزيران/يونيو داخل المنطقة الدولية في بغداد أكثر من مجرد آليات عسكرية تنفذ أوامر قبض، بل رمزاً لتحول سياسي قد يعيد رسم العلاقة بين الدولة والسلطة في العراق.
فعلى مدى عقود، ارتبط صوت جنازير الدبابات في بغداد بالانقلابات العسكرية، وإعلان الحروب، وانتقال السلطة بالقوة. لكن هذه المرة، لم تتجه الدبابات نحو القصور لإسقاط نظام، ولا نحو الجبهات لبدء حرب، بل نحو أوكار الفساد التي استنزفت الدولة واستباحت مقدراتها طوال أكثر من عقدين.
وللمرة الأولى منذ عام 2003، بدت الدولة وكأنها تستخدم قوتها الصلبة في مواجهة منظومة الفساد، لا في إدارة الصراعات السياسية التقليدية. ولهذا، لم تُقرأ مشاهد الدبابات باعتبارها استعراضاً للقوة، بل إعلاناً عن انتقال الدولة من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التنفيذ، ومن الوعود السياسية إلى الإجراءات الميدانية.
ويرى الشمري أن استثنائية هذه الحملة لا تكمن في عدد المعتقلين أو طبيعة الانتشار الأمني فحسب، بل في السياق السياسي الذي وُلدت فيه. فرئيس الوزراء علي الزيدي أعلن منذ توليه المنصب أنه لا يسعى إلى ولاية ثانية، ولا يعمل على تأسيس حزب سياسي، وهو ما يضعف فرضية توظيف الحملة لتحقيق مكاسب انتخابية أو تصفية حسابات مع الخصوم، ويمنحها بعداً مؤسسياً يتجاوز الاعتبارات الشخصية.
وفي الوقت نفسه، ظهر لأول مرة تنسيق واضح بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والأجهزة الرقابية، بما وفر للحملة غطاءً قانونياً ومؤسساتياً قلّما شهدته الحكومات السابقة. ولم تعد مكافحة الفساد مجرد شعار سياسي يُرفع عند تشكيل الحكومات ثم يُطوى مع أول تسوية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض القانون على شخصيات كانت حتى وقت قريب تُعامل بوصفها فوق المساءلة.
وسياسياً، بدت الحكومة أكثر قدرة على المناورة، مستفيدة من دعم داخلي وفر لها غطاءً سياسياً، ومن دعم أميركي منحها زخماً خارجياً لتنفيذ مسار طالما طالبت به واشنطن، باعتبار أن الفساد كان أحد أبرز أدوات ترسيخ النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة، ومصدراً لتغذية شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي.
لكن الأهمية الحقيقية لهذه الحملة تتجاوز ملف الفساد نفسه. فما جرى فجر الثامن والعشرين من حزيران لا يبدو مجرد حملة اعتقالات واسعة، بل يقترب من إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية التي حكمت العراق منذ عام 2003. وإذا استمرت التحقيقات ووصلت إلى إدانات قضائية بحق شخصيات من الصف الأول، فإن البلاد ستكون أمام أول عملية تفكيك فعلية لمنظومة المحاصصة التي بنت نفوذها على الحصانات السياسية والتسويات المتبادلة.
ومن هنا، يمكن توصيف ما يجري بأنه “انقلاب ناعم” على منظومة التوافقات التي أدارت الدولة طوال العقدين الماضيين. فهو لا يعتمد على القوة لتغيير النظام السياسي، بل يوظف أدوات الدولة ذاتها؛ القضاء والقانون والمؤسسات الأمنية، لإعادة الاعتبار لهيبة الدولة وإخضاع الجميع لسلطة المؤسسات.
وإذا أثبتت المحاكم صحة الاتهامات الموجهة إلى المتهمين، فإن المشهد السياسي العراقي سيدخل مرحلة جديدة بالكامل. فالقوى التي احتكرت النفوذ لسنوات ستواجه أزمة ثقة غير مسبوقة أمام جمهورها، وقد تعيد الانتخابات المقبلة رسم الخريطة السياسية بصورة مختلفة، فيما ستجد الدولة نفسها أمام فرصة لإطلاق إصلاحات اقتصادية وإدارية أكثر عمقاً، بعدما أصبح الفساد يُعامل بوصفه تهديداً لبقاء الدولة، لا مجرد مخالفة مالية.
وفي المقابل، فتحت التحقيقات باباً أخطر يتعلق بشرعية العملية السياسية نفسها، بعدما تحدث القضاء عن شبهات تتعلق باستخدام المال العام وموارد الدولة للتأثير في نتائج التمثيل السياسي والانتخابي. وإذا ثبتت هذه الوقائع، فإن القضية لن تبقى محصورة بملفات الفساد المالي، بل ستتحول إلى أزمة دستورية وسياسية قد تفرض مراجعة شاملة لقواعد العملية السياسية، وربما تفتح الباب أمام إصلاحات واسعة أو حتى استحقاقات انتخابية جديدة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه اللحظة التاريخية لا يُقاس بعدد أوامر القبض ولا بحجم الأسماء التي سقطت، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى نهج دائم. فالحملات الأمنية، مهما كانت واسعة، يمكن أن تتحول إلى حدث عابر إذا توقفت عند حدود الصدمة الأولى، أما إذا استمرت من دون انتقائية أو مساومات، فإنها قد تؤسس لأكبر عملية إعادة بناء للدولة العراقية منذ عام 2003.
لقد اعتاد العراقيون أن يكون صوت جنازير الدبابات إيذاناً بانقلاب عسكري أو اندلاع حرب جديدة. أما دبابات فجر الثامن والعشرين من حزيران، فقد حملت رسالة مختلفة؛ لم تتحرك لإسقاط نظام سياسي، بل لمحاولة إسقاط منظومة فساد ترسخت طوال عقدين. وإذا استمر هذا المسار حتى نهايته، فقد يذكر العراقيون ذلك الفجر بوصفه اللحظة التي بدأت فيها الدولة تستعيد هيبتها، لا بوصفه مجرد يوم نُفذت فيه حملة اعتقالات واسعة





